الدعوى 48 لسنة 18 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 48 لسنة 18 بتاريخ 15/09/1997
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأثنين 15 سبتمبر سنة 1997 الموافق 13 جمادى الأولى 1418 هـ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف
وحضور السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 48 لسنة 18 قضائية دستورية
المقامة من
السيد الدكتور/ ............
ضد
1 - السيد/ رئيس الجمهورية
2 - السيد/ رئيس مجلس الوزراء
3 - السيد/ وزير العدل
4 - السيد المستشار/ النائب العام
الإجراءات
بتاريخ 26 مايو سنة 1996، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة ، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد قدمت المدعى للمحاكمة الجنائية فى القضية رقم 1 لسنة 1992 جنح أمن دولة الدخيلة ، متهمة إياه بأنه فى غضون شهر يونيه 1989 بدائرة قسم الدخيلة قد تخلف - بصفته مالكاً - ودون مقتض عن تسليم الوحدة السكنية التى ابتاعها منه السيد / ............، مخالفاً بذلك أحكام المواد (1، 5/13 ، 71 ، 1/8) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وكذلك الفقرة الثانية من المادة (23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، فضلاً عن المادة (336) من قانون العقوبات. وإذ قضى غيابياً بحبس المتهم ستة أشهر، فقد عارض فى هذا الحكم، وقضى فى معارضته بقبولها شكلاً ورفضها موضوعاً، مما دعاه إلى الطعن استئنافياً فى الحكم الصادر فيها، فقضى غيابياً فى استئنافه بقبوله كذلك شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المستأنف، وإذ عارض فى هذا الحكم ودفع بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (23) من القانون 136 لسنة 1981 المشار إليه، وكانت محكمة الموضوع قد قدرت جدية هذا الدفع، وصرحت برفع الدعوى الدستورية ، فقد أقامها.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تقضى بأن يعاقب بعقوبة جريمة النصب المنصوص عليها فى قانون العقوبات المالك الذى يتقاضى بأية صورة من الصور. بذاته أو بالوساطة أكثر من مقدم عن ذات الوحدة أو يؤجرها لأكثر من مستأجر، أو يبيعها لغير من تعاقد معه على شرائها ويبطل كل تصرف بالبيع لا حق لهذا التاريخ ولو كان مسجلا.
وتنص فقرتها الثانية على أن ويعاقب بذات العقوبة المالك الذى يتخلف دون مقتض عن تسليم الوحدة فى الموعد المحدد فضلاً عن إلزامه بأن يؤدى إلى الطرف الآخر مثلى مقدار المقدم وذلك دون إخلال بالتعاقد وبحق المستأجر فى استكمال الأعمال الناقصة وفقاً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة (13) من القانون رقم 49 لسنة 1977.
وتقضى فقرتها الثالثة بأن ويكون ممثل الشخص الاعتبارى مسئولاً عما يقع من مخالفات لأحكام هذه المادة .
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة -وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن تتوافر ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، وكان النزاع الموضوعى يتعلق بوحدة سكنية تخلف المدعى - وبصفته مالكاً -عن تسليمها إلى من ابتاعها منه، فإن مصلحته - وعلى ضوء الدعوى الجنائية التى اتهم فيها- تنحصر فى الفصل فى دستورية الفقرة الثانية من المادة (23) من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، وذلك فى مجال تطبيقها بالنسبة إلى من يبيعون وحدة سكنية ، ويخلون -دون مقتض- بإلتزامهم بتسليمها لأصحابها فى الموعد المحدد.
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه - محدداً نطاقاً على النحو المتقدم - مخالفته لنص المادة (66) من الدستور، وذلك تأسيساً على عدة وجوه :
أولها:- أن المشرع وإن جاز أن يحدد بالنصوص القانونية ماهية الأفعال التى يعتبر إتيانها أو تركها جريمة معاقباً عليها قانوناً؛ إلا أن ذلك لا يعنى إطلاق يده بعيداً عن إطار الشرعية الدستورية ، ذلك أن ما يعتبر جريمة أسبق تاريخياً من كل الدساتير الوضعية ، هذا فضلاً عن أن الجريمة فى الشريعة الإسلامية تمثلها تلك الأفعال التى زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، وهى كذلك أفعال لا ينهى المشرع عنها، إلا على ضوء تقديره لإضرارها بمصالح الجماعة سواء فى عقائدها أو حياة أفرادها أو أموالهم أو أعراضهم، ويتعين بالتالى أن يكون تجريم إتيان الأفعال أو الامتناع عنها، مرتبطاً بعلة تأثيمها، وهو مايعنى انتفاء الجريمة التى لاتبررها علة شرعية .
ثانيها:- أن الأصل فى النصوص العقابية - وعلى ماجرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن تصاغ فى حدود ضيقة تعريفاً بالأفعال التى جرمها المشرع وتحديداً لمضمونها، فلايكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور لكل مواطن.
والنص المطعون فيه لايجرم سلوكاً محدداً أتاه المدعى عن عمد وإرادة واعية ، وإنما أثم واقعة مادية هى تخلفه عن تسليم وحدة سكنية باعها إلى آخر أياً كان سبب ذلك، بل ولو كان عدم تسليمها ليس مترتباً على نتيجة قصد إليها. ولا يزيل هذا العوار، أن يكون النص المطعون فيه قد شرط لقيام الجريمة التى حددها، أن يكون تخلفه عن تسليم تلك الوحدة دون مقتض، ذلك أن هذه العبارة أكثر غموضاً من تعبير التخلف عن التسليم.
ثالثها:- أن النص المطعون فيه ينقض افتراض البراءة ، إذ يُحَمِّل المتهم عبء إثبات توافر المقتضى المسوغ للتخلف عن التسليم، وإلا حقت عليه العقوبة المقررة قانوناً.
رابعها:- أن النص المطعون فيه استعمل تعبير المالك ليدل به على كل من المؤجر والبائع، وهو مايعنى أن يؤخذ النص مطلقاً ليشمل التجريم كليهما. كذلك فإن عبارة مثلى المقدم يمكن حملها على عقدى البيع والإجارة ، مما يؤكد غموض النص العقابى .
خامسها:- أن النص المطعون فيه اصطنع التجريم فى مسألة تحكمها قواعد المسئولية المدنية . بل إن العقوبة التى فرضها لهذه الجريمة ، تزيد عما يعتبر معقولاً لتناسبها مع الأفعال التى أثمها، ومن ثم يكون توقيعها إيلاماً غير مبرر وقسوة لا ضرورة لها، خاصة وأن هذه العقوبة هى ذاتها التى فرضها قانون العقوبات لجريمة النصب التى تمس مرتكبها فى شرفه واعتباره.
وحيث إن الأصل فى العقود - وباعتبارها شريعة المتعاقدين تقوم نصوصها مقام القانون فى الدائرة التى يجيزها - هو ضرورة تنفيذها فى كل ما تشمل عليه، فلا يجوز نقضها أو تعديلها إلا باتفاق الطرفين أو وفقاً للقانون. وكلما نشأ العقد صحيحاً ملزماً، كان تنفيذه واجباً، فقد إلتزم المدين بالعقد، فإذا لم يقم بتنفيذه، كان ذلك خطأ عقدياً سواء نشأ هذا الخطأ عن عمد أو إهمال أو عن مجرد فعل لا يقترن بأيهما.
ومن ثم تظهر المسئولية العقدية باعتبارها جزاء إخفاق المدين فى تنفيذ عقد نشأ صحيحاً ملزماً، وهى تتحقق بتوافر أركانها؛ وليس ثمة ما يحول بين المشرع وبين أن يقيم مسئولية جنائية إلى جانبها، فلا يكون اجتماعهما أمراً عصياً أو مستبعداً، بل متصوراً فى إطار دائرة بذاتها، هى تلك التى يكون الإخلال بالإلتزام العقدى فيها قد أضر بمصلحة اجتماعية لها وزنها. وهو مايعنى أن الدستور لا يتضمن قاعدة كلية أو فرعية يمكن ردها إلى النصوص التى انتظمها أو ربطها بها، تحول دون تدخل المشرع لتأثيم واقعة النكول عن تنفيذ إلتزام لم ينشأ مباشرة عن نص القانون، وإنما كان العقد مصدره المباشر، وبشرط أن يكون هذا التأثيم مٌحدِّدا بصورة واضحة لعناصر الجريمة التى أحدثها المشرع.
وهذه القاعدة ذاتها هى التى صاغها المجلس الدستورى الفرنسى وذلك على النحو الآتى :
Aucun principe ou régle de valeur constitutionnelle ninterdit au législateur deriger en infraction le manquement à des obligations qui ne résultent pas directement de la loi elle- même . la méconnaissance par une personne dobligations contractuelles ayant force obligatoire à son égard peut donc faire lobjet dune répression pénale des lors que le législateur définit de facon précise et compléte les éléments constitutifs des infractions quil vise .
(64 rec , p . ء 1982 November ء 10 , DC ء 145 - 82 )
يؤيد ما تقدم، أن الحرية الشخصية التى يكفلها الدستور، لا تخول أى فرد حقاً مطلقاً فى أن يتحرر نهائياً فى كل وقت، وتحت كل الظروف، من القيود عليها، بل يجوز كبحها بقيود تتعدد جوانبها تقتضيها أوضاع الجماعة وضرورة صون مصالحها، وتتطلبها كذلك أسس تنظيمها، دون إخلال بأمن أعضائها.
The liberty secured to every preson does not import an absolute right in each person to be, at all times and in all circumstances, wholly free from restraint. There are manifold restraints to which every person is necessarily subject for the common good . On any other basis organized society could not exist with safety to its members Jacobson v
( . Massachusetts, 197 U . S 11, 26((1950)
وحيث إن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مالم يقيدها الدستور بضوابط ترسم تخومها وتحد منها، فلايكون الإخلال بها إلا عدواناً على هذه الحقوق سواء عن طريق تهميشها أو بإهدار مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها.
وحيث إن ما نص عليه الدستور فى المادة (7) من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى ، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها وترابطهم ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقَون بدداً أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق منهم بالتالى أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا أن ينال من الحقوق قدراً منها يكون به -عدواناً- أكثر علواً. بل يتعين أن تتضافر جهودهم لتكون لهم الفرص ذاتها، التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق، وتتهيأ معها تلك الحماية التى ينبغى أن يلوذ بها ضعفاؤهم، ليجدوا فى كنفها الأمن والاستقرار.
وحيث إن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى سعيها لتنظيم علائق الأفراد سواء فيما بينهم، أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن إتيانها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد -ومن منظور اجتماعى - ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، بما مؤداه: أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيداً من وجهة اجتماعية ، فإن كان مجاوزاً تلك الحدود التى لايكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
وحيث إن الفصل فى دستورية الفقرة المطعون عليها، يتحدد على ضوء اتصال عقوبتها بالأغراض التى يتوخاها الجزاء الجنائى باعتباره عقاباً واقعاً بالضرورة فى إطار اجتماعى ، منطوياً غالباً من خلال قوة الردع على تقييد للحرية الشخصية ، ومستنداً إلى قيم ومصالح اجتماعية تبرره، كتلك التى تتعلق بضمان جريان التعامل فى الأموال بما يرد عنها أشكالاً من التحايل تقوض الحماية المقررة لها.
وحيث إن من المقرر قانوناً - وعلى ما تقضى به المادة (206) من القانون المدنى - أن الإلتزام بنقل حق عينى يتضمن الإلتزام بتسليم الشئ والمحافظة عليه حتى التسليم؛ وكان ذلك مؤداه: أن إلتزامين يتفرعان عن الإلتزام الأصلى بنقل الملكية ، أولهما: محافظة بائع العين عليها إلى حين تسليمها، وثانيهما: تسليمها فعلاً إلى من ابتاعها، وإن كان أولهما لا يعدو أن يكون إلتزاماً ببذل عناية ، وثانيهما بتحقيق غاية بذاتها، فلا يعتبر تسليمها قد تم صحيحاً إلا إذا تمكن مشتريها من حيازتها والانتفاع بها دون عائق، ولو لم يستول عليها استيلاء مادياً.
وحيث إن المشرع قدر بالفقرة المطعون عليها أن بعض من يبيعون وحدات سكنية لايسلمونها لأصحابها فى الموعد المحدد، مما يخل بالحقوق الناشئة عن ملكيتهم لها، ويهدر كذلك الثقة المشروعة التى ينبغى أن تسود تعاملهم فيها، فلايكون امتناعهم دون مقتض عن تسليمها إلا صورة من صور التدليس فى الأعم من الأحوال يقارنها انتفاعهم بالأعيان التى باعوها واحتفاظهم بثمنها دون مقابل يعود على أصحابها منها، وإعادة بيعها أحياناً سعياً لنقض ما تم من جهتهم عدواناً، فلايكون إلتزامهم بالتسليم ناجزاً محققاً، بل معلقاً متراخياً. ومن ثم تدخل المشرع بالجزاء الجنائى لحمل البائعين على إيفاء تعهداتهم ما استطاعوا، فلاينغلق الطريق إلى إنفاذها، ولا ينال الجمود مسراها، وعلى الأخص كلما كان شراء العين بقصد استغلالها أو استعمالها فى أغراض الإسكان.
وحيث إن ما تقدم مؤداه: أن التجريم المقرر بالفقرة المطعون عليها مرده إلى الضرورة الاجتماعية التى يمثلها أن صور التعامل فى تلك الأعيان من خلال بيعها، ينبغى أن يحيطها ما يكون كافلاً لصدقها ويبعد بها عن الإلتواء، فلا يكون هذا التعامل زيفا أو تربحا غير مشروع بل حقاً وإنصافاً، لتعايش البيوع الأغراض التى يرتجيها المتبايعون منها، فلايتوهمها أطرافها على غير حقيقتها.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من أن الفقرة المطعون عليها لا تتضمن تعريفاً واضحاً بما هية الأفعال التى جرمتها، مردود أولاً: بأن الجزاء الجنائى المقرر بها يفترض أن مالكاً قد اختار ألا يقوم بتسليم الوحدة التى باعها فى الموعد المحدد. وليس التسليم بواقعة مجردة من ملامحها، بل يتم أصلاً - وما لم يتفق المتبايعان على غير ذلك - على ضوء الحالة التى كان عليها المبيع عند التعاقد، وبافتراض أن الشئ المبيع كان معيناً وقت العقد تعييناً كافياً، وبمراعاة أن تسليمه يمتد إلى ملحقاته والى كل ما أعد بصفة دائمة لاستعما له، وبما يتفق وطبيعة المبيع. ولا تجهيل فى ذلك كله بمادية الأفعال التى أثمها المشرع.
ومردود ثانياً:- بأن الفقرة المطعون عليها لاتؤثم واقعة التخلف عن التسليم فى ذاتها، بل سلوكاً اتصل بها، وكان مؤدياً إليها.
ومردود ثالثاً:- بأن الفقرة المطعون عليها تفترض إتجاه إرادة الجانى إلى الأفعال التى أثمتها، مع قصده إلى تحقيق نتيجتها بعد العلم بدلالتها الإجرامية ، وهو ما دلت عليه بنصها على انتفاء التجريم كلما وجد المقتضى المانع من التسليم.
ومردود رابعاً:- بأن الجريمة التى عينتها الفقرة المطعون عليها، وقد توافر ركناها- ماكان منهما مادياً أو معنوياً - فإن القول بالتباسها بغيرها، أو أن خفاء قد غشيها وجهل بمضمونها، يكون لغواً.
وحيث إن ما ينعاه المدعى على الفقرة المطعون عليها من اتساعها لكل من يؤجر وحدة سكنية أو يملكها للغير، ولا يقوم - فى الموعد المحدد - بتسليمها بعد تأجيرها أو بيعها، مما يجهل بدائرة المخاطبين بحكمها، مردود أولاً: بأن الفقرة المشار إليها تضمنها قانون ينظم مسائل متعددة ، من بينها تلك الأحكام التى تتعلق بمن يعرضون وحدة سكنية على الغير لتمليكها أو استئجارها، وكان منطقياً بالتالى أن يكون تسليمها بعد بيعها أو إجارتها لازماً، وأن يمتد التنظيم التشريعى للفقرة المطعون عليها إلى هاتين الصورتين معاً.
ومردود ثانياً:- بأن غموض النصوص العقابية يعنى انفلاتها من ضوابطها وتعدد تأويلاتها، فلا تكون الأفعال التى منعها المشرع أو طلبها محددة بصورة يقينية ، بل شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو خفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها. ولا كذلك الفقرة المطعون عليها التى صاغها المشرع مؤثماً بحكمها من يبيعون أو يؤجرون أعياناً، ولا يقومون اختياراً- فى الموعد المحدد - بتسليمها لمشتريها أو مستأجريها.
ومردود ثالثاً:- بأن الفقرة المطعون عليها تتعلق - فى بعض جوانبها - بمن يعرضون على الغير وحدة سكنية لتمليكها أو تأجيرها، ولا يخل الجزاء المقرر بها بوجود عقد بيعها أو إجارتها، ولا ينال كذلك من الآثار التى يرتبها.
وحيث إن ما ينعاه المدعى على الفقرة المطعون عليها من فرضها لعقوبة لا تتسم بمعقوليتها، فلا يكون توقيعها إلا تعبيراً عن قسوتها فى غير ضرورة ، ومنافاتها بالتالى للحدود المنطقية التى ينبغى أن تكون إطاراً لها، مردود أولاً: بأن قضاء هذه المحكمة وإن جرى على أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها يقتضى أن تتوازن خصائصها مع وطأة عقوبتها؛ وكان ذلك مؤداه: أن يفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التى تناسبها، إلا أن ما يكون من الجزاء ملائماً لجريمة بذاتها، ينبغى أن يتحدد على ضوء درجة خطورتها ونوع المصالح التى ترتبط بها، وبمراعاة أن الجزاء الجنائى لا يكون مخالفاً للدستور إلا إذا اختل التعادل بصورة ظاهرة la disproportion manifeste بين مداه وطبيعة الجريمة التى تعلق بها. ودون ذلك يعنى إحلال هذه المحكمة لإرادتها محل تقدير متوازن من السلطة التشريعية للعقوبة التى فرضتها.
ومردود ثانياً:- بأن الضرورة الاجتماعية التى تقرر الجزاء المنصوص عليه بالفقرة المطعون عليها لصونها، تبلور تلك الضوابط التى لا يتصور أن يتم التعامل فى الأعيان بعيداً عنها، وإلا كان هذا التعامل انتهازاً وضرباً من التحايل، فلا يطمئن من كان طرفاً فيه للحقوق التى تتولد عنه إذا صار أمرها نهباً، وكان لازماً بالتالى أن يقرن المشرع العقوبة التى فرضتها الفقرة المطعون عليها فى شأن الجريمة التى حددتها، بجزاء مالى يردع من يرتكبونها عن العودة إليها، وينذر غيرهم بأثقالها، فلا يقدمون عليها.
ومردود ثالثاً:- بأن الجزاء المالى المقرر بالفقرة المطعون عليها، وإن تمثل فى إلتزام بائع الوحدة السكنية بأن يؤدى لمن ابتاعها مثلى مقدار المقدم المدفوع، إلا أن جزاء على هذا النحو ليس أمراً فجاً، ولا يتمحض كذلك غلواً، بل إن لهذا الجزاء نظائره كلما كان لازماً لردع من ينكثون بعهودهم، مثلما فعل المشرع بنص المادة (103) من القانون المدنى التى أو ردها فى شأن العربون.
ومردود رابعاً: بأن المشرع ماكان ليخول المستأجر بالفقرة المطعون عليها استكمال الأعمال الناقصة فى العين المؤجرة ، إلا لضمان صلاحيتها للاستعمال، والانتفاع بها بالتالى فى الأغراض التى عقدت الإجارة من أجلها، ذلك أن أجرة العين تقابل منفعتها، وينبغى من ثم استيفاؤها بتمامها.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من أن عبارة دون مقتض التى تضمنها النص المطعون فيه لا تقل فى غموضها عن عبارة التخلف عن تسليم الوحدة السكنية ، مردود بأن هاتين العبارتين متكاملتان فى تحديده ما لعناصر الجريمة التى حددتها الفقرة المطعون عليها، ذلك أنهما تواجهان امتناع بائع العين عن تسليمها أو تراخيه فى ذلك عن الموعد المحدد، وتقرران لذلك جزاء جنائياً مشروطاً بألا يكون الإخلال بهذا الإلتزام ناشئاً عن سبب أجنبى ، بما لا مخالفة فيه للدستور.
وبذلك تفارق هذه المسئولية ، تلك التى تنشأ وفقاً لأحكام القانون المدنى عن الإخلال بالإلتزام بالتسليم،باعتباره متفرعاً عن الإلتزام بنقل ملكية شئ، ومنصرفاً كذلك إلى تحقيق غاية ، لا إلى مجرد بذل عناية . فإذا لم يتم التسليم كاملاً - ولو بسبب أجنبى كقوة قاهرة هلك بها المبيع أو تلف قبل تسليمه - ظل البائع مسئولاً. وما ذلك إلا لأن المشرع تغيا بالمسئولية الجنائية التى قررتها الفقرة المطعون عليها، أن يرد عن التعامل المشروع فى الأعيان التى عناها، أبواباً ينفذ التحايل منها، فإذا انقطع دابره، لعذر قام ببائعها وحال دون تسليمه العين لمشتريها، فإن اعتباره مسئولاً جنائياً عن عدم تسليمها، يكون أمراً منهياً عنه دستورياً، على تقدير أن وقوع جريمة ما يفترض إرادة ارتكابها.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة المطعون عليها إلقاؤها على المتهم عبء التدليل على توافر المقتضى سبيلاً وحيداً للتخلص من مسئوليته الجنائية ، مما يناقض افتراض البراءة المقرر بنص المادة (67) من الدستور.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن الجريمة التى أحدثتها الفقرة المطعون عليها قوامها أن شخصاً باع وحدة سكنية يملكها، ولم يقم مختاراً بتسليمها فى الموعد المحدد، وهى جريمة لا يتم إثباتها بعيداً عن تدخل سلطة الاتهام للتدليل على توافر أركانها هذه بأوصافها التى حددها المشرع. وإثباتها لها مؤداه: نقضها لبراءة ذمة متهمها مما يثقلها، حال أن هذه البراءة هى الأصل فى الحقوق الشخصية جميعها. وبنفيها لهذا الأصل، يكون للمتهم بالجريمة محل النزاع الموضوعى -وفى إطار وسائل الدفاع التى يملكها- أن يقيم الدليل على توافر مقتض حال دون تسليمه الوحدة التى باعها فى موعدها. ولا مخالفة فى ذلك للقواعد التى يقوم عليها النظام الاختصامى للعدالة الجنائية . ولا لافتراض البراءة المقرر بنص المادة (67) من الدستور.
وحيث إن الفقرة المطعون عليها - فى مجال تطبيقها بالنسبة إلى الاتهام الجنائى المنسوب إلى المدعى - لا تناقض حكماً آخر ورد فى الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .